الشيخ محمد مكي نصر الجريسي
250
نهاية القول المفيد في علم تجويد القرآن
غازي : والمراد « بالغنى » في الحديث غنى النفس بأن تصير نفس القارئ غنية عمّا في أيدي الناس من الدنيا الحقيرة ؛ لما يرى عنده من عظم القرآن وعظم الثواب المرتّب له على قراءته ، وأعظم من ذلك مناجاته لخالقه . وقال الفضيل بن عياض : حامل القرآن حامل راية الإسلام ، لا ينبغي أن يلهو مع من يلهو ، ولا أن يسهو مع من يسهو ، ولا أن يلغو مع من يلغو ؛ تعظيما لحق القرآن . وقال صلّى اللّه عليه وسلم : « أشراف أمتي حملة القرآن وأصحاب الليل » ، وقال صلّى اللّه عليه وسلم : « أفضل عبادة أمتي قراءة القرآن » . وفي بستان العارفين : روي عن أنس بن مالك رضي اللّه عنه عن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « عرضت عليّ أجور أمتي حتى القذاة يخرجها الإنسان من المسجد ، فلم أر خيرا أعظم من قراءة القرآن . وعرضت عليّ ذنوب أمتي فلم أر ذنبا أعظم من آية أو سورة أوتيها الرجل فنسيها » اه . وأخرج مسلم عن أبي أمامة رضي اللّه عنه قال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول : « اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه » وأخرج البيهقي عن أنس رضي اللّه عنه عن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « نوّروا منازلكم بالصلاة وتلاوة القرآن » وعن أبي هريرة أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال : « يجيء صاحب القرآن يوم القيامة فيقول القرآن : يا ربّ حلّه ، فيلبس تاج الكرامة . ثم يقول : يا ربّ زده ، فيلبس حلّة الكرامة . ثم يقول : يا ربّ ارض عنه ، فيرضى عنه ، فيقال له : اقرأ وارق ، ويزداد بكل آية حسنة » رواه الترمذي وحسّنه وابن خزيمة والحاكم وقال : صحيح الإسناد . وعن عبد اللّه بن عمرو بن العاص رضي اللّه عنهما قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « يقال لصاحب القرآن اقرأ وارق ورتّل كما كنت ترتل في الدنيا ؛ فإنّ منزلتك عند آخر آية تقرؤها » رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجة وابن حبان في صحيحه . وقال الترمذي : حديث حسن صحيح . وسئل ابن حجر عن حديث : « يقال لصاحب القرآن : « اقرأ وارق . . . الخ » من المخصوص بهذه الفضيلة ؟ هل هو من يحفظ القرآن في الدنيا عن ظهر قلب ومات كذلك ؟ أم يستوي فيه هو ومن يقرأ في المصحف ؟ فأجاب بقوله : الخبر المذكور خاصّ بمن يحفظه عن ظهر قلب لا من يقرأ في المصحف ؛ لأن مجرد القراءة في الخط لا يختلف الناس فيها ولا يتفاوتون قلة وكثرة ، وإنما الذي يتفاوتون فيه هو الحفظ لا يختلف الناس فيها ولا يتفاوتون قلة وكثرة ، وإنما الذي يتفاوتون فيه هو الحفظ عن ظهر قلب ، فلهذا تتفاوت منازلهم في الجنة بحسب تفاوت حفظهم ، ومما يؤيد ذلك أنّ حفظ القرآن عن ظهر قلب فرض كفاية على الأمة ، ومجرد القراءة في المصحف من غير حفظ لا يسقط بها الطلب ؛ فليس لها كثير فضل كفضل الحفظ ، فتعيّن أنه - أعني الحفظ عن ظهر قلب - هو المراد في الخبر ، وهذا ظاهر من لفظ الخبر بأدنى تأمل . اه .